مجمع البحوث الاسلامية

189

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المسألة الأولى : ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال ؟ فنقول : فيه وجوه : الأوّل : إنّ البيت ينبغي أن يكون له أمور : حائط حائل ، وسقف مظلّ ، وباب يغلق ، وأمور ينتفع بها ، ويرتفق ، وإن لم يكن كذلك فلا بدّ من أحد أمرين : إمّا حائط حائل يمنع من البرد ، وإمّا سقف مظلّ يدفع عنه الحرّ . فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنّها ولا يكنّها . وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرّزق وجرّ المنافع وبه دفع المضارّ ، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقلّ من دفع ضرّ أو جرّ نفع ، فإنّ من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنّسبة إليه سواء . فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتّخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء ، كذلك الكافر لم يحصل له باتّخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء . الثّاني : هو أنّ أقلّ درجات البيت أن يكون للظّلّ ، فإنّ البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضا الهواء والماء والنّار والتّراب ، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحرّ والبرد ، ولا يدفع الهواء القويّ ولا الماء ولا النّار ، والخباء الّذي هو بيت من الشّعر أو الخيمة الّتي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئا ، يظلّ ويدفع حرّ الشّمس . لكن بيت العنكبوت لا يظلّ فإنّ الشّمس بشعاعها تنفذ فيه . فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير ، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد ، فإن لم يكن فلا أقلّ من أن لا ينفذ أمر العابد فيه ، لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلّوه وإن أحبّوا أذلّوه . الثّالث : أدنى مراتب البيت أنّه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق ، لا يصير سبب شتات وافتراق ، لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت ، فإنّ العنكبوت لو دام في زاوية مدّة لا يقصد ولا يخرج منها ، فإذا نسج على نفسه واتّخذ بيتا ، يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت . فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحقّ الثّواب ، فإن لم يستحقّه ، فلا أقلّ من أن لا يستحقّ بسببها العذاب ، والكافر يستحقّ بسبب العبادة العذاب . ( 25 : 67 ) نحوه النّيسابوريّ ( 20 : 94 ) ، والبروسويّ ( 6 : 47 ) ، والمراغيّ ( 20 : 143 ) . أبو حيّان : وقال الزّمخشريّ : الغرض تشبيه ما اتّخذوه متّكلا ومعتمدا في دينهم ، وتولّوه من دون اللّه ممّا هو مثل عند النّاس في الوهن وضعف القوّة ، وهو نسج العنكبوت ، ألا ترى إلى مقطع التّشبيه وهو قوله : إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ انتهى . يعني بقوله : ألا ترى إلى مقطع التّشبيه بما ذكر أوّلا أنّ الغرض تشبيه المتّخذ بالبيت لا تشبيه المتّخذ بالعنكبوت ، والّذي يظهر هو تشبيه المتّخذ من دون اللّه وليّا بالعنكبوت المتّخذة بيتا ، أي فلا اعتماد للمتّخذ على وليّه من دون اللّه ، كما أنّ العنكبوت لا اعتماد لها على بيتها في استظلال وسكنى بل لو دخلت فيه خرقته ، ثمّ بيّن